أبو حامد الغزالي
270
تهافت الفلاسفة
وليست لها اللذات الجسمية ، من الجماع والأكل ، وإنما لها لذة الشعور بكمالها وجمالها ، الذي خصت به في نفسها ، في اطلاعها على حقائق الأشياء ، وقربها من رب العالمين في الصفات ، لا في المكان ورتبة الوجود ، فإن الموجودات ، حصلت من اللّه تعالى ، على ترتيب ، وبوسائط ، فالذي يقرب من الوسائط ، رتبته لا محالة ، أعلا مما دونها . والثاني ، أن الإنسان أيضا ، قد يؤثر اللذات العقلية ، على الجسمية ، فإن من يتمكن من غلبة عدوه والشماتة به ، يهجر في تحصيلها ، ملاذ الأنكحة والأطعمة ، بل قد يهجر الأكل طول النهار ، في لذة غلبة الشطرنج والنرد ، مع خسة الأمر فيهما ، ولا يحس بألم الجوع ، وكذلك المتشوف إلى الحشمة ، وإلى الرئاسة ، يتردد ، بين انخرام حشمته ، وبين قضاء الوطر من عشيقته ، مثلا ، بحيث يعرفه غيره ، وينتشر عنه ، فيؤثر الحشمة ، ويترك قضاء الوطر ، ويسحتقر ذلك ، محافظة على ماء الوجه ، فيكون ذلك لا محالة ألذ عنده . بل ربها يهجم الشجاع ، على جم غفير من الشجعان ، مستحقرا خطر الموت ، شغفا بما يتوهمه بعد الموت ، من لذة الثناء والإطراء عليه . فإذن اللذات العقلية الأخروية ، أفضل من اللذات الجسمية الدنيوية ، ولولا ذلك لما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - : « يقول اللّه تعالى : أعددت لعبادي الصالحين ، ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . » وقال « 1 » تعالى : « فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ » . فهذا وجه الحاجة إلى العلم . والنافع من جملته العلوم العقلية المحضة ، وهي العلم باللّه تعالى ، وصفاته ، وملائكته ، وكتبه ، وكيفية وجود الأشياء منه ، وما وراء ذلك ، إن كان وسيلة إليه ، فهو نافع لأجله ، وإن لم يكن وسيلة إليه ، كالنحو واللغة والشعر ،
--> ( 1 ) أي ولما قال تعالى . . . إلخ .